السيد محمد تقي المدرسي

343

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ومن معه من المستضعفين بمكة ، فجعلوا لا يمرّ عير لقريش إلّا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها . فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله تناشده الله والرحم ان يضمّهم اليه ، ولا يرد إليهم أحداً جاء . ففعل النبي صلى الله عليه وآله ذلك . « 1 » وهذا الحديث يعتبر سابقة هامة في أمر الصلح بين المسلمين واعداءهم ، وبالذات فيما يتصل بقوى المعارضة الداخلية التي تتشكل في صفوف الأعداء . فأفضل طريقة للتعامل معها هي ما نجده في هذه القصة التاريخية ، حيث إن الرسول لم يعرّض الدولة الاسلامية الفتية لخطر الحرب من أجل سلامة أبي بصير وبضعة أفراد من المسلمين الجدد . ولكنه في ذات الوقت لم يعاقبهم على معارضتهم الذاتية لكفار قريش ، مما دفعهم بالتالي إلى الاعتماد على الله ، ثم على مواهبهم الذاتية وتكوين قوة عسكرية على ساحل البحر تهدد تجارة قريش ، مما دعا كفار قريش إلى أن يطلبوا من الرسول قبولهم في دولته . فالعلاقة بين الدولة الاسلامية وبين القوى المعارضة من المسلمين في صفوف الكفار قد تتفكك من أجل مصلحة الدولة ، وقد يكون ذلك في صالح المعارضة ايضاً ، إذ انها تعتمد آنئذ على نفسها وتصبح قوة مستقلة تنفع المسلمين في نهاية المطاف . . والله المستعان . هاء : من احكام الهدنة ( النساء / 90 ) ، ( النساء / 92 ) ، ( الأنفال / 72 ) ؛ نستفيد من الآيات الكريمة ؛ وجوب الوفاء بالمواثيق التي بين المسلمين واعداءهم ، في الوفاء بحقوقهم كاملة ، وذلك في الموارد التالية التي يمكن ان نعتبرها مثلًا لسائر المصاديق التالية التي تدخل ضمن عموم الوفاء بالميثاق الذي أمرنا به في الكتاب والسنة : أ - قد يقتل المنافق الذي لا يهاجر ، ويتولى ( فلا يخضع للقيادة الشرعية ، بل يتمرد عليها ويناهضها ) . ولكن إذا كان هذا المنافق ذات صلة بقوم ( معاهدين ) بينهم وبين المسلمين ميثاق ، فإنهم لايطاردون ولا يقتلون . ونستوحي من ذلك ان المعاهد محترم الدم ، وتجري عليه أحكام خاصة حسب الميثاق .

--> ( 1 ) جواهر الكلام / ج 21 / ص 309 عن سيرة ابن هشام القسم الثاني ص 323 .